بين أزقة حي “إحشاش” العتيق، حيث تفوح رائحة التاريخ الأكاديري الأصيل وتتردد أصداء الذاكرة الجماعية للمدينة، وُلد صوت لا يشبه إلا نفسه.
هو سالم أدردوان، الفنان العصامي الذي لم يكتفِ بالعزف على الأوتار، بل عزف على وتر الانتماء، محولاً مساره الشخصي من “الصفر” إلى رقم صعب في المعادلة الثقافية لجهة سوس ماسة.
البدايات.. من رحم المعاناة يولد الإبداع
لم تكن طريق سالم مفروشة بالورود؛ ففي بيئة محافظة تقدس العمل والالتزام، كان عليه أن يثبت أن الفن ليس مجرد “تزجية وقت”، بل هو رسالة وقضية.
نشأ سالم في حضن “إحشاش”، الحي الذي علمه أن النجاح لا يُمنح بل يُنتزع بالصبر والاجتهاد. من هذا العمق الشعبي، استلهم سالم مواضيع أغانيه، فجاءت كلماته مرآة تعكس هموم الناس، أفراحهم، وتشبتهم بالأرض.

سجل فني حافل بالهوية
لم تكن مسيرة سالم أدردوان عشوائية، بل كانت مدروسة ومنظمة عبر إصدارات فنية بصمت الذاكرة السوسية. امتازت أعماله بقدرة فائقة على الموازنة بين التجديد الموسيقي والحفاظ على الهوية الثقافية المحلية.
وقد أصدر مجموعة من الألبومات التي لاقت صدى لدى جمهوره، من أبرزها: تيمزار نسوس، البرهان، إكا وركان، نزري وسان إعدلن، وإمكلي إرزكن، وهي أعمال تعكس تنوعه الفني وحرصه على تطوير أسلوبه باستمرار.
هذه الأعمال لم تكن مجرد ألبومات غنائية، بل كانت “وثائق فنية” تؤرخ لمشاعر الإنسان الأمازيغي المعاصر، وهو ما جعل الجمهور يرى في سالم صوتاً يمثله ويعبر عن مكنونات صدره.
الإنسان خلف الفنان.. تواضع الكبار
ما يميز سالم أدردوان عن غيره هو ذلك الفاصل الرفيع – أو ربما المنعدم – بين شخصيته الفنية وحياته اليومية.
في شوارع أكادير، يُعرف سالم بـ “ابن الحي” المتواضع، والفاعل الجمعوي الذي يضع يده في يد الشباب والجمعيات المحلية.
هذه الروح الإيجابية جعلته نموذجاً للفنان الذي لم تُغيره الأضواء، بل زاده الحضور الفني تمسكاً بجذوره وبساطته.

رسالة إلى المستقبل
اليوم، يقف سالم أدردوان في منتصف الطريق، ليس تقاعداً، بل استعداداً لقفزات جديدة، حيث يؤكد من خلال استمراريته أن الفن الحقيقي هو الذي ينمو بعيداً عن “البهرجة” الزائفة، معتمداً على الإيمان بالذات والوفاء للأصل.
هذا ويظل حي إحشاش فخوراً بابنه البار، وتظل مدينة أكادير مدينة للفن والمبدعين الذين يصنعون المجد بصمت. سالم أدردوان ليس مجرد مغنٍّ، بل هو فصل حيّ من فصول الإبداع الأكاديري الذي يستحق منا كل التقدير والمتابعة.