بورتريه.. من الخشبة إلى السيناريو: رحلة محمد الدنج في عالم السينما الأمازيغية

لا تبدأ السينما أمام عدسة الكاميرا فقط، بل تولد أولاً من فكرة تُكتب على ورقة بيضاء، ومن خيال كاتب يؤمن بأن الحكاية قادرة على ملامسة الإنسان وتغيير نظرته إلى العالم.

بهذه القناعة، يواصل السيناريست المغربي محمد الدنج مساره داخل المشهد الفني المغربي، واضعاً الكتابة في صلب تجربته الإبداعية، ومراهناً على أعمال تستمد قوتها من الواقع وتحمل في عمقها أسئلة الإنسان والهوية والثقافة.

وُلد محمد الدنج سنة 1993 بمنطقة إفرخس إمسݣين التابعة لجماعة الدرارݣة بإقليم أكادير إداوتنان، في بيئة شكلت جزءاً من اهتمامه بالثقافة واللغة والفن. تابع دراسته بثانوية أورير، قبل أن يحصل سنة 2017 على الإجازة في شعبة اللغة الأمازيغية، ليجمع بين المسار الأكاديمي والعمل في مجال التعليم، حيث يشتغل أستاذاً للغة الأمازيغية، مؤمناً بأن التعليم والثقافة والإبداع حلقات مترابطة في بناء الإنسان والحفاظ على الهوية.

من المسرح إلى السينما.. البدايات الأولى

لم تبدأ علاقة محمد الدنج بالفن من السينما فقط، بل كانت الخشبة المسرحية أولى المحطات التي ساهمت في تشكيل تجربته، حيث شارك في عدد من الأعمال المسرحية، من بينها “أفراك” (الوعي) سنة 2011، و*”تيفاوت ندونيت”* سنة 2012، وهي تجارب منحته فرصة الاقتراب من عالم الأداء وبناء الشخصيات وفهم العلاقة بين الفنان والجمهور.

بعد ذلك، انتقل إلى تجربة الإخراج، حيث قدم سنة 2013 أول أفلامه القصيرة بعنوان “أوتّاس” (الهدف)، ليواصل سنة 2016 من خلال فيلم “مذكرات”، الذي شارك في عدد من المهرجانات السينمائية، من بينها مهرجان بيوكرى لسينما الشباب، ومهرجان أنازار الوطني للفيلم القصير بأورير، ومهرجان سوس الدولي للفيلم القصير بأيت ملول.

وفي سنة 2018، قدم فيلمه القصير الثالث “Douleur”، الذي تم بثه على القناة الأمازيغية (الثامنة) ضمن برنامج “شاشتك”، من إخراج كريمة موخاريج وإنتاج شركة Sahara Média، ليؤكد من خلال هذه التجارب اهتمامه بالسينما القصيرة كفضاء للتعبير عن القضايا الإنسانية والاجتماعية.

التمثيل.. محطة صنعت حضوره لدى الجمهور

إلى جانب الإخراج، خاض محمد الدنج تجربة التمثيل، حيث شكلت مشاركته في بطولة المسلسل التلفزيوني “أمان إروفان” سنة 2016 محطة بارزة في مساره الفني، بعدما بث العمل على القناة الأمازيغية، وهو من إخراج سعيد السليماني وإنتاج شركة أغلال برودوكسيون.

كما شارك سنة 2017 في البرنامج الوثائقي التلفزيوني “تيكمي مقورن”، من إخراج يوسف إكورد وإنتاج شركة Mprod، وهي تجربة أخرى عززت تنوع مساره داخل المجال السمعي البصري.

ورغم هذه التجارب المتعددة، ظل شغفه الأكبر مرتبطاً بكتابة السيناريو، باعتبارها المرحلة التي تولد فيها الحكاية قبل أن تتحول إلى صورة على الشاشة.

السيناريو.. المسار الأقرب إلى رؤيته الإبداعية

يرى محمد الدنج أن السيناريست ليس مجرد كاتب للحوار أو صانع للأحداث، بل هو من يمنح الشخصيات روحها الأولى، ويرسم العالم الذي ستنقله الكاميرا إلى الجمهور. لذلك يحرص في كتاباته على الاقتراب من الإنسان وتفاصيل حياته اليومية، مع الحفاظ على حضور الهوية والثقافة الأمازيغيتين.

وخاض سنة 2017 أولى تجاربه في الإخراج من خلال الفيلم التربوي القصير “مذكرات”، قبل أن تشكل سنة 2019 محطة مهمة في مساره، بعدما توج بالجائزة الأولى في المسابقة الوطنية لكتابة السيناريو التي نظمتها جمعية إيسوراف بمدينة أكادير، وهو تتويج عزز اختياره لمسار الكتابة السينمائية.

وفي السنة نفسها، كتب وأخرج فيلمه القصير “أنݣاژ”، الذي عرض على القناة الأمازيغية ضمن برنامجي “شاشتك” و*”سيني كافي”*، كما توج بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان أورير للفيلم القصير.

“الفنان”.. حين تصبح السينما صوتاً للمبدعين

من أبرز محطات تجربة محمد الدنج الإبداعية يبرز سيناريو الفيلم السينمائي القصير “الفنان”، الذي كتبه سنة 2024 وأخرجه المخرج رشيد أعنطري.

اختار الدنج من خلال هذا العمل الاقتراب من عالم الفنان، وتسليط الضوء على التضحيات التي يقدمها المبدعون في سبيل الفن، وما يواجهونه من تحديات مرتبطة بالتهميش وسوء الفهم والظروف الصعبة.

ويعتبر هذا العمل من التجارب التي منحت خصوصية لمساره، باعتباره تناول حياة الفنان كموضوع رئيسي، بعيداً عن القضايا التقليدية، مؤكداً أن السيناريو القوي قادر على فتح نقاشات جديدة حول الإنسان والمجتمع.

التكوين وتطوير أدوات الكتابة

إيماناً منه بأن الكاتب السينمائي يظل في حاجة دائمة إلى تطوير أدواته، استفاد محمد الدنج من دورة تكوينية متخصصة في كتابة السيناريو نظمها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، تحت إشراف وتأطير المخرج والسيناريست المغربي هشام العسري.

وقد شكل هذا التكوين محطة مهمة لتعميق معارفه في بناء الشخصيات، وتطوير الحبكة الدرامية، وصقل رؤيته الإبداعية وفق أسس احترافية.

سيناريست يحمل رهان الهوية والحكاية الإنسانية

اليوم، يواصل محمد الدنج الاشتغال على مشاريع سينمائية جديدة، واضعاً نصب عينيه تقديم أعمال تحمل بصمة مغربية وأمازيغية أصيلة، وتؤمن بأن السيناريو ليس مجرد مرحلة تسبق التصوير، بل هو روح الفيلم وبدايته الحقيقية.

وبين المسرح والتمثيل والإخراج والكتابة، يواصل محمد الدنج رسم مساره الخاص، مؤمناً بأن الأفلام لا تبدأ أمام الكاميرا، بل تولد أولاً في مخيلة كاتب، وعلى صفحة بيضاء، قبل أن تتحول إلى صور وقصص تنبض بالحياة.