الأغنية الأمازيغية: بين صخب المنافسة وتحدي الإبداع الحقيقي

marche verte 2025

في الساحة الفنية الأمازيغية، تبقى المنافسة أمراً طبيعياً وضرورياً لتطوير الإبداع وفتح المجال أمام تجارب جديدة، غير أن المنافسة الحقيقية لا تُقاس فقط بالتصريحات أو بمحاولات إثبات الأفضلية، بل بقدرة الفنان على تقديم أعمال تحمل قيمة فنية مضافة وتترك بصمتها الخاصة في ذاكرة الجمهور.

ففي الوقت الذي يسعى فيه بعض الفنانين إلى التأكيد على أنهم الأفضل، يرى متابعون أن الحكم النهائي يبقى للجمهور ولجودة العمل الفني، خصوصاً أن بعض الإنتاجات الحالية تعتمد أحياناً على أغانٍ موروثة من رواد سابقين، مع إضافة توزيعات موسيقية حديثة أو إدخال آلات جديدة مثل آلة الباطري، دون أن يكون ذلك دائماً مصحوباً بتجديد حقيقي على مستوى الكلمة والفكرة.

ويؤكد مهتمون بالشأن الفني الأمازيغي أن الاستفادة من التراث ليست أمراً سلبياً، بل هي امتداد طبيعي لأي تجربة فنية، غير أن الإبداع الحقيقي يكمن في القدرة على إنتاج كلمات جديدة، وألحان خاصة، وأفكار تعكس قضايا المجتمع وروح الجيل الحالي، بدل الاكتفاء بإعادة تقديم أعمال سابقة في قالب عصري.

وقد استطاعت مدارس فنية رائدة مثل أودادن، إنرزاف، لحسن بيزنكاض، علي شوهاد، حميد إنرزاف وآيت العاتي أن تحجز مكانتها في ذاكرة الجمهور، ليس فقط بفضل الألحان والإيقاعات، بل بفضل قوة الكلمة، وعمق المعاني، واللباقة الفنية التي ميزت حضورها داخل الساحة الفنية.

وفي المقابل، فإن عدداً من المجموعات الجديدة استطاعت تقديم تجارب مميزة وأعمالاً فنية في المستوى، وأثبتت قدرتها على التجديد والتطوير، غير أن الطريق أمامها ما يزال مفتوحاً لمزيد من التطور، خصوصاً في مجال كتابة الأغاني وصناعة نصوص تحمل هوية خاصة وبصمة مميزة.

فامتلاك صوت جيد أو تقديم إيقاعات حديثة لا يكفي وحده لصناعة تجربة خالدة، لأن الأغنية التي تعيش عبر الزمن تحتاج إلى كلمة قوية، وفكرة عميقة، ولحن يحمل شخصية الفنان. فالنجاح الحقيقي لا يكون فقط في تحقيق الانتشار الآني، بل في إنتاج أعمال تبقى راسخة في وجدان الجمهور.

وفي الوقت الذي اختارت فيه بعض التجارب الجديدة الانفتاح على أنماط موسيقية مختلفة ومزج الأغنية الأمازيغية بإيقاعات أخرى، وهو ما يمنحها حضوراً جماهيرياً وتفاعلاً كبيراً، يبقى الرهان الأساسي هو الحفاظ على التوازن بين جاذبية الإيقاع وقيمة الكلمة والرسالة الفنية.

فالأغنية الأمازيغية لم تصل إلى مكانتها الحالية بفضل الموسيقى فقط، بل بفضل الشعر، والهوية، والقدرة على التعبير عن الإنسان والمجتمع. لذلك يبقى التحدي أمام الجيل الجديد هو الانتقال من مرحلة المنافسة على الظهور والانتشار إلى مرحلة المنافسة في صناعة الإبداع الحقيقي.

لأن التاريخ الفني لا يحتفظ بمن قال: “نحن الأفضل”، بل بمن قدم أعمالاً صادقة وخالدة بقيت حاضرة في ذاكرة الناس عبر الأجيال.